سيد محمد طنطاوي
268
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الشديد من اللَّه - تعالى - ، وهي التي يسميها الفقهاء باليمين الغموس ، أي التي تغمس صاحبها في النار - قال - تعالى - * ( ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ ) * . أي : بما صممتم عليه منها وقصدتموه وأنتم حانثون فيها . قال القرطبي ما ملخصه : خرج البخاري عن عبد اللَّه بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ما الكبائر ؟ قال : « الإشراك باللَّه . قال : : ثم ماذا ؟ قال : عقوق الوالدين . قال : ثم ماذا ؟ قال : اليمين الغموس » قلت : وما اليمين الغموس ؟ قال : التي يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو كاذب فيها » . وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب اللَّه له النار وحرم عليه الجنة . فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول اللَّه ؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم : وإن كان قضيبا من أراك » . وقد اختلف في اليمين الغموس فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها . لأن هذا الحالف قد جمع بين الكذب ، واستحلال مال الغير ، والاستخفاف باليمين باللَّه . فأهان ما عظمه اللَّه ، وعظم ما حقره اللَّه ، ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا ، لأنها تغمس صاحبها في النار . وقال الشافعي : « هي يمين منعقدة ، لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر ، مقرونة باسم اللَّه - تعالى - ، وفيها الكفارة . والصحيح الأول : وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال الأوزاعي والثوري وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة « 1 » : 3 - أن * ( أَوْ ) * في قوله - تعالى - : * ( فَكَفَّارَتُه إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) * للتخيير . أي : أن الحالف إذا حنث في يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة ليكفر عن يمينه التي حنث فيها . وهذه الثلاثة هي الإطعام أو الكسوة ، أو عتق الرقبة . فإذا لم يجد إحدى هذه الكفارات الثلاث انتقل إلى الصوم . قال الفخر الرازي : وأعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير ، فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر وهو الصوم . ومعنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ولا يجوز له تركها
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 1 ص 268 .